منوعات

مستقبل الوقت وسياسات العمل – مكساوي –

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تعددت وتنوعت في الأعوام الثلاثة الماضية الدراسات التي تتحدث وتحلل الوقت والتحولات التي طرأت على فهمنا للوقت في إطار تطوير سياسات العمل.

ويرتبط مفهوم الوقت بطبيعة الأعمال وبالهيكل التنظيمي للمنشأة ومستوى رقمنتها. فالتدخلات الرقمية قبل وأثناء جائحة كورونا عززت من فكرة دراسة دور الوقت في تحفيز العاملين وزيادة الإنتاجية حتى في الدول الآخذة في النمو. كما عزز الحديث عن أهمية الوقت في إطار العمل الاهتمام بالأبعاد البيئية والحرص على استدامة الموارد الطبيعية.

وسأعطي مثالين من الواقع تعرضت لهما من عشر سنوات للتأكيد على انه حان الوقت للاهتمام ودراسة مستقبل الوقت وضرورة تضمينه بشكل أكثر دقة في سياسات العمل سواء كانت تلك السياسات قوانين أو استراتيجيات أو خطط. المثال الأول كان في دولة سنغافورة، حيث قمت – في إطار برنامج تدريبي – بزيارة منشأة لحجز الوحدات السكنية. وعندما دخلت المنشأة وجدت حواسب ولم أجد موظفا للحديث معه! فالحواسب موجودة للزبون وبجانبها تعليمات حول استخدامها والخدمات التي تتيحها من أجل التعرف على أنواع الوحدات السكنية وخصائصها وأثمانها. كما تم وضع نماذج حية وواقعية من أنواع الوحدات السكنية خارج المنشأة يمكن الدخول فيها ومعايشة ما سيتم شراؤه. وتعمل المنشأة لمدة ٧ ساعات يوميا ويعمل الموظفون بها ٥ ساعات يوميا.

المثال الثاني هو “الحاسوب هو مكتبك”، أو العمل من أي مكان في أي وقت ومع أي شخص في العالم. هذه الأنواع من الأعمال والتي نمت خلال الخمس عشرة سنة الماضية أكدت ضرورة النظر في موضوع وقت العمل المرن وحرية اختيار وقت العمل المناسب للفرد.

وقد يرى البعض أن هذه السياسات قد تصلح للقطاع الخاص أكثر من القطاع الحكومي. والإجابة هي أنها تصلح لكافة القطاعات مع وجود بعض التباينات. خاصة وأننا نتحدث الآن عن “زملاء عمل جدد”: الإنسان والآلة التي يعمل من خلالها أو عليها.

ويرى الخبراء في المنتدى الاقتصادي العالمي أن الوقت الذي سيبذله الإنسان والآلة في مكان العمل سيكون متساويا مع حلول عام. ٢٠٢٥. بل يمكن المضي أبعد من ذلك بالقول بأن الوقت الذي سيمضيه الإنسان سيكون أقل من الآله، وأن علاقته بها ستكون علاقة تشغيل وإعطاء تعليمات وتوجيهات. وقد لا يكون الأمر في صورة إحلال هذا محل ذاك أو خضوع الإنسان للآلة! خاصة وأن معظم المنتجات الحالية والمستقبلية هي منتجات كثيفة المعرفة، وتطوير المعرفة عمل إنساني بحت! لذلك لن يكون العامل أيا كانت خبرته أو عمله في حاجة إلى التواجد في مكان عمل ثماني ساعات يوميا من أجل إنتاج سلعة أو توفير خدمة، بل يمكن أن ينتج السلعة والخدمة من أي مكان وفي أي وقت، بحيث تصبح المعادلة هي: تكييف ظروف العمل مع الظروف الحياتية للإنسان وليس العكس. ومن شأن هذه الرؤية المبتكره للوقت في العمل أن تساعد على التحفيز والتجديد والابتكار وخلق ولاء وانتماء بين الإنسان وعمله وليس فقط بين الإنسان ومكان عمله، إذ يصبح مكان عمل الإنسان في إمكاناته وخبراته وعقله والآلة التي يعمل بها أو من خلالها وليس المكتب الكلاسيكي التقليدي المتعارف عليه.

ولتفعيل تلك الرؤية هناك حاجة لإجراء العديد من الدراسات الخاصة بآراء العاملين وانعكاس تطبيق السياسات الجديدة للوقت على الانتماء وحب العمل وبالاساس حجم الإنتاجية ومعدل النمو واستدامة الموارد.

وأخيراً وليس آخراً، طالعتنا الأخبار منذ يومين بقيام عدد كبير من موظفي شركة “آبل” بتقديم استقالاتهم بعد ان طالبتهم الشركة بالعودة مرة أخرى إلى مكاتبهم ومقر عملهم بعد أن أمضوا سنتين في العمل “عن بُعد”! وهو ما يؤكد على دور الوقت المرن والعمل عن بُعد في التحفيز من أجل العمل والإنتاجية.

رابط المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى